التخطي إلى المحتوى

يدعو كاتبان فرنسيان الحكومات والمؤسسات المالية إلى منع تداول البتكوين، نظرا لاعتمادها بشكل كامل على المضاربة، إلى جانب الضرر الذي يلحقه تعدين البتكوين بالمناخ.
يزخر التاريخ المالي بالعديد من التجارب والتطورات، كما يزخر أحيانا بالانتكاسات التي حدثت نتيجة مبادرات وقرارات جذبت الناس في البداية، ليتبين لاحقا أنها كانت انحدارا خطيرا.
وفي هذا المقال الذي نشرته صحيفة “لوموند” (Le Monde)الفرنسية، يقول خبيرا الاقتصاد الفرنسيان نيكولا ديفران وجون ميشيل سرفي إن العملات المشفرة لا تقدم أية قيمة مضافة بالمقارنة مع طرق الدفع الموجودة حاليا، وبالتالي فهي لا يمكن أن تكون عملة بديلة، ويجب على السلطات المعنية منع تداولها.
ويضيف الكاتبان أن الولايات المتحدة شهدت خلال القرن التاسع عشر أزمة اقتصادية كبرى وفوضى في قطاع المال، بسبب صدمة إصدار قانون سك العملة للعام 1873 الذي ألغى النقود الفضية وجعل العملة مرتبطة فقط بالذهب.
ويرى الكاتبان أن هنالك خطرا مماثلا يواجه العالم اليوم، وهو الانبهار الشديد بعملة بتكوين التي يصفها البعض بأنها “الذهب الرقمي”.
ورغم أن البتكوين لعبت دورا كبيرا في تطور تكنولوجيا البلوك تشين، بما تمثله من نظام رقمي للتوثيق وتأمين المعاملات المالية عن بعد، فإن هذه التكنولوجيا قادرة اليوم على الاستمرار بمعزل عن عملة البتكوين التي باتت تمثل خطرا على النظام النقدي والمالي، وحتى على مبدأ المساواة بين المواطنين.
فخلال 12 سنة من وجودها، لا تزال البتكوين غير مستخدمة في أية معاملات اقتصادية، باستثناء عمليات المضاربة، وهي اليوم لا تستخدم في تمويل أي نشاط اقتصادي أو اجتماعي مفيد، ولا تخدم أهداف المحافظة على البيئة والحد من الانبعاثات الكربونية.
وعلى عكس أنظمة الدفع المعروفة في العالم، مثل فيزا وماستر كارد، فإن الواجهة التقنية للبتكوين لا تسمح بإدارة مئات الآلاف من التحويلات المالية بشكل متزامن.
كما أن هذه العملة المشفرة لا يمكن اعتبارها نقودا، نظرا للعديد من العيوب التي تعاني منها، على غرار التقلبات الكبيرة والمخيفة في قيمتها، إلى جانب افتقارها لأي قيمة مضافة تميزها عن العملات التقليدية المتداولة حاليا في العالم.
يتساءل البعض عما إذا كانت البتكوين ستساهم في الحد من ضعف العملة الذي يحدث بسبب طباعتها وإصدارها بشكل مبالغ فيه، ولكن يرى الكاتبان الفرنسيان أن العملة المشفرة التي تقوم أساسا على التخمينات والمخاطرة، سيكون لها أثر عكسي يؤدي إلى مزيد من التضخم وإضعاف العملات التقليدية، باعتبار أن 98.7% من تحويلات البتكوين تتم بغرض المضاربة، وليس في إطار عمليات تجارية حقيقية.
إضافة إلى ذلك، فإن البتكوين والوحدة الأصغر ضمن أجزائها المسماة ساتوشي، توجد منها أكثر من 2.1 مليون مليار وحدة نقدية ممكنة، ويبدو أن تقسيم البتكوين سيكون أداة ضرورية للجمع بين ميزة الندرة التي كانت فعالة للتسويق، وميزة إتاحة الحصول عليها من قبل عامة الناس، وهذا السيناريو المطروح بقوة في المستقبل لن تكون له أية فوائد تذكر في مكافحة التضخم المالي.
وحول مسألة الشفافية والمساواة بين الناس، يرى الكاتبان أن البتكوين تلعب دورا عكسيا، خاصة أن 2% من الحسابات تسيطر على 95% من قطع البتكوين، وقد تمكنت حفنة من تحقيق الثراء في هذا المجال، بينما تعرض كثيرون للخسارة والإفلاس.
هؤلاء الذين تضرروا من الطبيعة المتقلبة والخطيرة للعملة المشفرة، ليس لهم الحق في التظلم أو المطالبة بأية تعويض، باعتبار عدم وجود خدمة عملاء خاصة بالبتكوين يمكن الاتصال بها، ولا عقود تأمين أو ضمانات خاصة أو عامة.
ولذلك يؤكد الكاتبان على أنه في هذا العالم الذي بتنا نحتاج فيه للمزيد من الشفافية في المعاملات المالية، والقدرة على التعقب ومراقبة كل العمليات، من أجل تجنب عمليات الاختلاس والتحايل التي كشفت آخر حلقاتها فضيحة “وثائق باندورا”، من غير المنطقي أن نسمح بتداول أصول مجهولة الهوية غير خاضعة للرقابة، وفي غالب الأحيان لا يتم الإفصاح عنها.
ويمكن أن تؤدي البتكوين لتشتيت المنظومة الضريبية والسوقية، باعتبار وجود نظامين قانونيين متوازيين. وفي ميزانية عام 2022، يلاحظ أن بعض النواب الفرنسيين اقترحوا أن يتم تقديم إعفاء ضريبي لكل من يستخدم العملة المشفرة لشراء بضائع حقيقية، لا تتجاوز قيمتها 3 آلاف يورو، وهذا المقترح يشكل خطرا على موارد الدول، وتراجعا عن مبدأ المساواة بين المواطنين.
يرى الكاتبان أن البتكوين يمكن أن تعيدنا إلى فترة ما قبل ظهور القروض، وبالتحديد إلى القرن التاسع عشر، حيث كان النشاط الاقتصادي محدودا بسبب محدودية كمية المعادن الثمينة المتوفرة للتداول في السوق.
واليوم إذا تم السماح بوجود نظامين ماليين متنافسين، فإن ذلك سيؤدي إلى منافسة شديدة في إصدار العملة، ومشاكل في التحويل بين العملات، وظهور نظامين ضريبيين، واضطرار التجار لوضع سعرين على كل منتج، إلى جانب العديد من المشاكل الأخرى التي قادت البشرية في الماضي إلى الاهتداء لأفضل حل، وهو وضع منظومة نقدية موحدة تعتمد على البنوك المركزية، وهذه المنظومة لئن كانت تعاني اليوم من العديد من العيوب، فإن هذا لا يعني التخلي عنها والجنوح إلى ما هو أسوأ.
لذلك يدعو الكاتبان جميع الحكومات والمؤسسات المالية إلى منع تداول البتكوين، نظرا لاعتمادها بشكل كامل على المضاربة، إلى جانب الضرر الذي يلحقه تعدين البتكوين بالمناخ.
وفي حال لم تمتلك الدول الجرأة على إصدار قرار المنع، فيجب عليها وضع قوانين تقيد وتراقب الاستثمار في هذا المجال، من أجل الإبقاء على العملات المشفرة تحت السيطرة، والحد من الخسائر في حال تسببها بأزمة في المستقبل.
افتتحت أول ماكينة صراف آلي للعملات المشفرة في هندوراس هذا الأسبوع، إذ دعا داعمو البتكوين إلى تحفيز الطلب على الأصول الافتراضية بعد أن أصبحت السلفادور المجاورة أول دولة تعتبر البتكوين عملة قانونية.
شرعت السلفادور باعتماد البتكوين عملة قانونية في البلاد إلى جوار الدولار الأميركي، فهل ستسير على خطاها دول أخرى؟ وما تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي؟
أكد البنك المركزي العراقي أن التعامل بالعملات الرقمية الافتراضية ينطوي على مخاطر عدة، لا سيما ما يتعلق بالقرصنة الإلكترونية والاحتيال.
أصبح مبتكر البتكوين من أغنى الأشخاص في العالم، لكن هويته ما زالت مجهولة إلى اليوم، وقد تساعد دعوى قضائية رُفعت مؤخرا في فلوريدا بالولايات المتحدة في كشف هذا اللغز.
:تابع الجزيرة نت على

source

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.