التخطي إلى المحتوى

يعيش تشيرانجيفي في مدينة حيدر أباد الهندية مع أسرته الصغيرة.
وهو في العادة رجل بشوش ومتفائل ومفعم بالنشاط.
كما أنه يتسم بالذكاء، ويعمل في شركة هندية متخصصة في مجال التكنولوجيا.
وهو آخر شخص تتوقع أن يقع ضحية لجريمة احتيال إلكترونية.
بيد أن هذا هو ما تعرض له بالضبط في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأدى إلى فقدانه لكافة مدخراته التي تبلغ 4000 دولار أمريكي (3000 جنيه استرليني). وهو أمر لا يزال عاجزا عن تصديقه.
مواضيع قد تهمك نهاية
" يقول تشيرانجيفي: "شعرت بتوتر شديد؛ بالضياع. أخبرت زوجتي، فقالت لي: "كنت أظن أنك ذكي. كيف خسرت كل هذه الأموال؟"
تفاجأت برسالة من تشيرانجيفي في أواخر أكتوبر/تشرين الأول يخبرني فيها بما حدث.
ولكنه لم يكن يخبرني فقط بالخديعة التي تعرض لها، بل كان يرغب في تحذيري.
فقد كانت نسخة محرفة من أحد تقاريري أحد أهم عناصر عملية الاحتيال التي تعرض لها.
في وقت سابق من العام، تمكنت من زيارة "منجم" لتعدين البيتكوين في ولاية نيويورك، وصورت تقريرا من هناك يركز على الانبعاثات الكربونية التي تتسبب فيها تلك العملة الرقمية المشفرة.
قناة تطبيق "تيليغرام" التي استخدمها المحتالون استغلت جزءا من تقرير كلايدون
تابوهات المراهقة، من تقديم كريمة كواح و إعداد ميس باقي.
الحلقات
البودكاست نهاية
ولكن التقرير الذي شاهده تشيرانجيفي لم يكن تقريري الأصلي.
في 18 أكتوبر/تشرين الأول، انضم تشيرانجيفي إلى قناة على تطبيق "تيليغرام" اسمها B2C Mining.
وتيليغرام هو تطبيق يستخدم في تبادل الرسائل المشفرة، مثل تطبيق واتساب، ويضم "قنوات" تشبه إلى حد ما مجموعات فيسبوك.
وقد زعمت قناة B2C Mining أنها جزء من شركة تمتلك وتشغل منجما للبيتكوين في روسيا.
وفي الصفحة الرئيسية للقناة كان تقريري منشورا…ولكنه لم يكن هو بالضبط.
فقد تم تغييره، إذ تم اقتطاع كل شيء له علاقة بالتغير المناخي من التقرير، وإضافة ما يوحي بأن المنجم الذي صورت تقريري داخله كان تابعا للقناة.
يقول تشيرانجيفي: "ظننت أن كل شيء كان حقيقيا وغير زائف، وهذا ما أغراني".
ويضيف: "ظننت أنك زرت شركة التعدين. إننى أتابع بي بي سي منذ أن كنت طفلا، وأعلم أن لها سمعة طيبة في جميع أنحاء العالم".
كانت هناك مقاطع مصورة أخرى أيضا، تظهر زبائن مسرورين لأنهم حققوا أرباحا. كما كتب أشخاص منشورات تحتوي على تفاصيل المكاسب التي أحرزوها.
أثار ذلك اهتمام تشيرانجيفي بشدة.
لماذا ترفض مصر تقنين العملات المشفرة؟
ترامب يصف عملة بيتكوين بأنها "احتيال" لتهديد الدولار الأمريكي
زعمت الشركة أنها تقوم بتعدين العملات الرقمية حسب الطلب، وأنها تحقق أرباحا طائلة.
تابع تشيرانجيفي: "قالوا إنهم سيقومون بالتعدين لمدة 24 ساعة، ما سيحقق أرباحا تتراوح ما بين 20 إلى 40 في المائة، وفق نوع العملة الرقمية.
المجموعة كانت تضم حوالي 3000 عضو. فكر تشيرانجيفي أنه من المستحيل أن يكون كل هؤلاء الأشخاص مخطئين وقرر أن يخوض التجربة.
بدأ يتحدث إلى مدير المجموعة – شخص زعم أن اسمه فلادمير بيفسكي (Vladmir Peavsky)وأنه المدير التنفيذي لشركة B2C Mining.
فلادمير بيفسكي ليس شخصا حقيقيا، ولكننا سنتطرق إلى ذلك لاحقا.
أخبره بيفسكي بأنه إذا حول إليه مبلغ 160 دولارا أمريكيا، فإنه سوف يقوم بتعدين نوع من العملات الرقمية له.
بعد 24 ساعة، استرد تشيرانجيفي أمواله بالإضافة إلى أرباح قدرها حوالي 40 دولارا. لم يصدق كيف تم ذلك بسهولة كبيرة.
يعيش تشيرانجيفي في شقة، وحياته مريحة إلى حد ما. ولكن أحلامه أكبر من ذلك بكثير. فهو يريد أن يعيش في منزل، وأن يرسل أبناءه إلى الجامعة.
فجأة، بدت هذه الأحلام في متناوله. فقد أصبح له دخل ثان من الاستثمار في تعدين العملات الرقمية.
قرر زيادة استثماراته.
هذه المرة قرر أن يعطي بيفسكي 250 دولارا للاستثمار في عملة رقمية يطلق عليها اسم "ترون"، وكان يأمل في تحقيق أرباح كبيرة بعد خمسة أيام.
إلا أنه مع بدء عملية التعدين، بدأ بيفسكي يرسل له رسائل تحمل أنباء غير سارة. العملية واجهت بعض المشكلات، وكان بيفسكي بحاجة إلى المزيد من المال للتغلب عليها.
وإذا لم يدفع تشيرانجيفي، سوف يخسر استثماراته.
يقول: "لقد سقطت في شِركِه".
لم يكن ذلك آخر المطالب. فالمشكلات ظلت تتوالى. وظل بيفسكي يطلب المزيد من الأموال لمواصلة التعدين وإنقاذ الاستثمار الأصلي. قد تتخيل أنه عند هذه النقطة، لابد وأن تشيرانجيفي قد فطن للأمر.
عصابة قرصنة إلكترونية تطلب فدية قيمتها 70 مليون دولار من عملة البيتكوين
كيف اختفى موقع إحدى أكبر عصابات طلب الفدية على الإنترنت؟
لقطة شاشة لبعض الرسائل المتبادلة بين تشيرانجيفي وبيفسكي، يتساءل فيها الأول عما إذا كان قد وقع فريسة للاحتيال
بدأ تشيرانجيفي يشعر بالذعر.
لكن الأوان كان قد فات، فقد خسر كل مدخراته واقترض بعض المال من عائلته. ولكن مع ذلك، قام بتحويل دفعة أخيرة من الأموال، وكان يأمل، ويدعو، أن يكون الاستثمار حقيقيا.
لكنه لم يكن كذلك.
ضحايا آخرون
تقول جيسيكا باركر، مؤلفة كتاب Confident Cyber Security الذي يتناول الأمن السيبراني: "أكذوبة التكاليف المتكررة، ضغط الوقت، الترغيب والترهيب ..إنها السمات الكلاسيكية لعمليات الاحتيال".
وتضيف أنه نظرا إلى أن رسائل تيليغرام مشفرة من جانبي الاتصال، فضلا عن زيادة عدد المستخدمين، يجد عدد متزايد من المحتالين ضالتهم في التطبيق.
وفي إطار البحث الذي أجريته عن المجموعة، توصلت إلى شخص آخر تعرض للاحتيال. استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يوافق على الحديث معي، مشترطا عدم ذكر اسمه.
قال لي ذلك الشخص، وهو طالب عمره 19 عاما ومن الهند أيضا، أنه فقد كل مدخرات عائلته.
كان يرغب في أن يستثمر في تعدين العملات الرقمية على نطاق ضيق في البداية، بمبلغ 15 دولارا.
بعدها بدأ بيفسكي في ممارسة ضغوط عليه لزيادة استثماراته، قائلا له: "ألا تستطيع أن تقترض مالا من أسرتك وأصدقائك؟"
وهذا ما فعله في النهاية. تعهد لأفراد أسراته بأنه سوف يعطيهم فوائد مرتفعة مقابل روبياتهم.
وبدأت طلبات "دفعة واحدة أخرى فقط" تتوالى عليه، ما أثار فزعه. إذا لم يدفع خلال إطار زمني محدد، ستضيع كل مدخراته.
اقترض المزيد، حتى بلغ إجمالي ما أعطاه لبيفسكي 400 دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة إليه.
بدأ الطالب يدرك أنه تعرض للاحتيال. شعر بالخوف، وأخذ يتوسل إلى بيفسكي لكي يعيد له ماله.
أخيرا، طلب منه بيفسكي، وكأنما على سبيل الفدية، أن يصور مقطع فيديو يقول فيه إنه راض جدا عن الخدمة التي قُدمت له.
رحلة بحث عن أخطر القراصنة الإلكترونيين في العالم
اختراق حساب رئيس وزراء الهند على تويتر بتغريدة عن بيتكوين
لقطة شاشة للرسائل المتبادلة بين الطالب وبيفسكي الذي طلب منه تصوير مقطع فيديو يشيد بخدماته
وربما يفسر ذلك سبب وجود الكثير من مقاطع الفيديو الإيجابية على تلك القناة، فبعضها صور بالإكراه.
أخبرني الطالب بأنه شعر بالرغبة في الانتحار بعد تبادل تلك الرسائل الأخيرة مع بيفسكي.
كانت لدي تساؤلات عديدة حول عملية الاحتيال تلك، لكن أكثرها بديهية هو:
لمعرفة الإجابة، بدأت أولا بالشركة التي زعم بيفسكي أنه يديرها – B2C Mining . إنها شركة حقيقية مقرها في ألماتي بكازاخستان، لكن فلادمير بيفسكي لا يديرها.
تقوم الشركة بإنشاء مناجم لتعدين عملة البيتكوين لعملائها، وكذلك بإصلاح المعدات. استخدمت قناة تيليغرام التي يديرها المحتالون بعضا من صور الشركة وكذلك علامتها التجارية.
قال لي فلاديمير ليغاي الذي يعمل بالشركة: "ليس لدينا قنوات على تطبيق تيليغرام، ولا نبيع أي عملات رقمية".
استخدم المحتالون الصورة التالية التي نسخوها من مواقع التواصل الاجتماعي، وزعموا أنها صورة لمنجمهم. كما استخدموا شعار B2C واسمها.
استخدم المحتالون صورة أخذوها من موقع الشركة على الإنترنت
وأضاف ليغاي إنه لم يسمع أبدا بشخص يدعى فلادمير بيفسكي.
وذلك لأن فلادمير بيفسكي ليس اسما حقيقيا.
نعرف ذلك لأن صور بيفسكي المستخدمة على قناة تيليغرام هي في الواقع صور لشخص يدعى فلاديمير بايفسكي Vladimir Paevskiy ، وهو اختلاف بسيط في طريقة كتابة الاسم ولكنه اختلاف مهم.
يقول فلاديمير بايفسكي الحقيقي إن المحتالين انتحلوا شخصيته
وفلاديمير بايفيسكي رجل من موسكو يبلغ من العمر 34 عاما. وبايفيسكي يستثمر في العملات الرقمية، وله مليون متابع على إنستغرام، وينشر بانتظام صورا له وهو يقف أمام معدات تعدين العملات الرقمية.
تمكنت أخيرا من محاورته.
أخبر بايفيسكي بي بي سي بأن المحتالين انتحلوا هويته، وإنهم "أخذوا صوري من إنستغرام".
صورة استخدمتها القناة المحتالة وزعمت أنها لفلادمير بيفسكي المدير التنفيذي لشركة B2C Mining
الصين تحظر التداول بالعملات الرقمية
ما مستقبل العملات الرقمية وما علاقتها بتغير المناخ؟
بريطانيا تخطط لإطلاق عملتها الرقمية
من انتحل شخصية فلاديمير بايفيسكي إذا؟
كلا الضحيتين اللذين تحدثت إليهما دفعوا أموالا لبيفسكي باستخدام عملات رقمية مختلفة.
ولكي يفعلا ذلك، كان يتعين عليهما تحويل الأموال إلى الحافظة الرقمية للمحتال، والتي لها رقم تعريف (ID) محدد.
"فرانك"، الذي طلب منا عدم ذكر اسم عائلته، يعمل في منظمة Whale Alert المتخصصة في رصد تعاملات العملات الرقمية المشفرة، وهو خبير في رصد وتحليل عمليات الاحتيال التي يستخدم فيها ذلك النوع من العملات.
يقول فرانك: "إن هؤلاء غير محترفين".
فقد استخدموا نفس الحافظة مرارا، وتم تحويل مبالغ مالية نحو 60 مرة إلى الحساب نفسه.
واكتشف فرانك أن تلك المجموعة تمكنت من سرقة 25000 دولار من الأشخاص الذين احتالت عليهم، ويرجح أن يكون هناك المزيد من الأموال التي لم يكتشفها فرانك.
كان المحتالون يكسبون المال، ولكن عملية احتيالهم لم تكن متقنة.
فقد حولت المجموعة العملات الرقمية التي أقنعت ضحاياها بدفعها إلى عدة مواقع تستبدل العملات الرقمية بعملات نقدية.
اثنان من تلك المواقع مقرهما في الهند، وهما bitbns.com، و wazirx.com
يقول فرانك: "لماذا يقوم شخص من روسيا بتحويل العملات الرقمية إلى موقع في الهند لاستبدالها بالروبيات؟ أظن أن المحتالين ليسوا من روسيا، ولكن من الهند".
ويمضي بالقول إنه يكاد يجزم بأن "بيفسكي ليس شخصا واحدا. بل هي عصابة من عصابات الجريمة المنظمة".
كان تشيرانجيفي يظن أنه يتحدث إلى رجل روسي. كانت عملية الاحتيال مقنعة للغاية، لدرجة أنه إلى الآن، لا يكاد يصدق أن بيفسكي ليس شخصا حقيقيا.
كون المحتالين على الأرجح من الهند يعد خبرا سارا للضحايا.
يقول فرانك: "نظريا، ليس هناك ما يمنع السلطات الهندية من التوصل إلى هؤلاء الأشخاص وإعادة الأموال لأصحابها".
تم تسليم المعلومات التي جمعها فرانك لقسم الجرائم السيبرانية بوزارة الشؤون الداخلية الهندية.
هذا النوع من عمليات الاحتيال له آثار مدمرة على الضحايا وأسرهم. فأولئك المحتالون يعملون على نطاق واسع.
في نفس اليوم الذي حاورته فيه، رصد فرانك مبلغ 58000 دولار تم إرساله إلى حافظات عملات رقمية مشبوهة. إنه احتيال على نطاق مخيف.
لا زال تشيرانجيفي يجد صعوبة في تصديق تعرضه للاحتيال. وقد تعرض لقدر هائل من الضغوط والتوتر خلال أيام عملية التعدين الخمسة، حتى إنه شعر بالارتياح عندما فطن في النهاية إلى أن المسألة كانت خديعة.
يقول إن زوجته سامحته.
ولكن ليس جميع الأسر والأصدقاء على القدر نفسه من التفهم.
أما الطالب فيقول إنه لم يعد يشعر بالرغبة في الانتحار، ولكنه لم يخبر الأشخاص الذين اقترض منهم بأنه خسر أموالهم.
وهو الآن يعمل في المساء لكي يحاول كسب المال وتسديد ديونه. يقول إن ذلك يؤثر على دراسته، ولكن ما عساه أن يفعل؟ ليس لديه خيار آخر.
© 2021 بي بي سي. بي بي سي ليست مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية. سياستنا بخصوص الروابط الخارجية.

source

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.